الاثنين، 16 يوليو 2018

كشف حساب

كثيرا ما كنت – ولا زلت - أقرأ عبارة ( ما هي خطة العام الجديد؟ ) أو ( خطتك لخمس سنوات مقبلة  ) لكن هل قمنا يوما بعملكشف حساب للسنوات المنقضية ؟

طرأ لذهني هذا لدخولي بوابة الثلاثين عاماً منذ أيام .. فقمت بعمل كشف حساب للخمس سنوات المنصرمة و وجدت أنني بحسابات المجتمع الضاغط  ( وبشدة ) فأنا في عداد الفاشلين ولا شك ! ولكن بحساباتي أنا فاعتقد انني حققت جزء لا بأس به من النجاح .

الأمر غريب أليس كذلك ؟

هو ليس غريبا فحسب و لكنه يتكرر مع نسبة كبيرة من الشباب  بالأخص مع من تنتمي لنون النسوة، وسأسرد بعد قليل سبب ذلك.

المجتمع يضغط  على الأنثى بشتى الصور منها المتعلق بسن الزواج أو انجاب الأطفال أو تربيتهم أو ...إلخ ، ليس هذا هو مجال الحديث اليوم . لكن الضغط الذي سأتحدث عنه هو ضغط من نوع خاص ... وهو ماذا أنجزت في  حياتك ؟

و مما عمق هذا الضغط بعض الأمور أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

1 - الخطاب الديني الكاره لـ .. عادي بن عادي العادي .. كيف لك يا من تحب دين الله أن تكون شخص عادي ؟! تعيش حياة عادية بشكل عادي وتتزوج بشكل عادي ؟ عار عليك فمن سيحرر الأقصى ؟ و من سينصر هذا الدين ؟

ولا شك أن كثير من الشباب  عانوا من هذا الخطاب ..خاصة أن العقل الباطن يربط بين الانجاز والشهرة ... ولكن إذا تأملت الانبياء و هم أشخاص (غير)عاديين  و عددهم غير محدد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ )

وبالرغم من ذلك لا نعرف اسماء غير 25 فقط من هؤلاء الأنبياء فالشهرة ليست مقياس للانجاز و الدليل على ذلك صاحب النقب الذي انتصر بسبب فكرته المسلمون ولا نعرف اسمه حتى الآن و إلى يوم القيامة و هذا أول معيار تقيس به نجاحك ( ( الإخلاص ) )

 وهناك نبي سيأتي يوم القيامة معه رجلان و الآخر معه الرجل و هناك من لم يؤمن به أحد كما قال الرسول الكريم في الحديث .

فكم التأثير و الشهرة ليسا معيارا للنجاح يا صديقي ! يكفيك نفسك ودائرتك الصغيرة الممثلة في عائلتك .

وأنما (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) و هذا ثان ما تقيم به عملك ( ( السعي وليس النتيجة ) ).


2 – المثالية الشديدة أو كما يطلق عليها perfectionism 

فأنت يا صديقي تريد أن تنجز العمل على أكمل وجه و انت لا تحب أنصاف الحلول

هذا جيد .. ولكن ما لايدرك جله لا يترك كله فإذا كنت لا تستطيع أن تتعلم ذاتيا خمس محاضرات لخمس مساقات ( كورسات ) يوميا فلم لا يكونوا اثنان أو حتى واحد فقط ... فقليل دائم خير من كثير منقطع ، ألا توافقني الرأي ؟ فأنت إذا حققت جزء من الهدف فقد
أحرزت هدفاً بالفعل ! و هذا ثالث ما تقيم به مجهودك ( ( النسبة والتناسب ) )


3- وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض عليك ليل نهار حياة الآخرين  المنمقة دون رتوش المشاكل التي يواجهونها في حياتهم .

على سبيل المثال :

تجد الأم الشابة تجلد نفسها عندما تجد الأخريات  تدون أنشطة صنعتها لأبنائها بالأنظمة التعليمية الحديثة مثل نظام منتسوري .. وهذه الأم لا ترى – بحكم موقعها البعيد – الصعوبات التي تواجه هذه المدوِّنة أو احباطاتها مع ابنائها !

و تقارن نفسها بهن دون أخذ مجهوداتها بعين الاعتبار. ( ( لابد للإنسان أن يقدر مجهوده قبل أن يطلب من الآخرين تقديره ! ) ) وهذا هو المعيار الرابع .

ولا بد أخيرا أن نسأل أنفسنا .. ما هو النجاح ؟ هل هو تحقيق الكثير من المال ؟ أم الشهرة ؟ أم السيرة الطيبة ؟ أم ... ؟

النجاح بحسب مفهوم علماء التنمية البشرية هو تحقيق التوازن في الحياة في سبعة جوانب وهم ( الجانب الروحاني – الذاتي – العائلي – الصحي – الاجتماعي – العلمي او الدراسي – العملي و المادي ) فانت إذا حققت نسب مرضية بالنسبة غلى تطلعاتك في تلك المجالات فأنت قد حققت النجاح بالفعل ... للأسف الشديد عامة الناس تقيس النجاح بآخر نوعين فقط ؛ الدراسي و المادي .. وتغفل باقي الجوانب بالرغم من أنه في رأيي المتواضع أن الجانب المادي بالذات هو أقلهم أهمية !

فماذا يجني من تجاوز الستين واهدر حياته في صناعة المال ولم يجلس مع أولاده بسبب هذا العمل ؟ أو ضاعت صحته بسببه ! والنماذج حولنا منتشرة وبكثرة ..

فانت بحسابك لنسب تقدمك في هذه المجالات كلها في الاعوام المنقضية تكون قد حاسبت نفسك، وحساب النفس ليس لجلدها، وإنما للوقوف على نقاط الضعف لتقويتها ونقاط القوة لتنميتها وهكذا .و هذا هو المعيار الخامس و (الهام جدا) و هو:( ( التوازن في الحياة ) )

ولابد من وضع ظروفك بحساباتك فالمرأة التي تزوجت وأنجبت مقبول جدا أن تقصر في الجانب العملي بل و من غير الطبيعي أن تحرز نجاح كبير في الجانب العملي في أول سنوات أمومتها و إلا ستكون في الأغلب قد قصرت في هذه الأمومة ؛ بمعنى آخر أن هناك أولويات لكل مرحلة بحياتك فلكل مرحلة متطلبات و انجازات لا تقبل بأقل منها و إخفاقات لابد منها لابد أن تعلمها جيدا ..

ولهذا حديث آخر .